*بقلم مُنجد شريف*
بين حربٍ لم تنتهِ وسلامٍ مستحيل، ما يجري اليوم على الحدود بين لبنان وفلسطين المحتلة، ليس وقفاً لإطلاق النار. بقدر ما هو حالة معلّقة بين التزامٍ من طرف وخروقات من الآخر، وكأنّ الهدنة لم تحصل لا في البر ولا في الجو ولا في البحر.
إنها حرب جديدة، فالمعادلات التي ثبّتت لسنوات توازن الردع تتعرّض اليوم لاختبار عميق.
في مرحلة ما بعد الانسحاب الإسرائيلي من الجنوب، عام 2000 تشكّل توازن ردع قائم على معادلة دقيقة:
كلفة الحرب البشرية عند العدو، والقوة الصاروخية المتاخمة. هذا التوازن، رغم هشاشته، كان كافياً لردع الانزلاق إلى حرب شاملة.
لكن هذا الإطار بدأ يتآكل مع تغيّر قواعد الاشتباك. فالتفوّق الإسرائيلي الجوي، المدعوم بتقنيات رصد ومعالجة متقدمة، أعاد توسيع هامش الحركة العسكرية، فيما لا يزال حزب الله يحتفظ بقدرة صاروخية كبيرة وبنية ميدانية قادرة على الاستنزاف ورفع كلفة أيّ مواجهة. وهكذا أصبح الصدام الشامل غير محسوم النتائج، وغير قابل للاستقرار.
في هذا السياق، كانت مبادرة التفاوض المباشر مع العدو، حرب في الحرب، في شكلها ومضمونها وتوقيتها، لأنها جاءت بقرار متفرّد من ثنائي السلطة التنفيذية، وقبل أن تضع الحرب أوزارها، وتتبلور نتائجها الميدانية. وجاءت في ظل عدوان يومي مستمرّ على الأرض، ذهب ضحيته المئات من الأبرياء، ما جعلها تبدو، في نظر كثيرين، أقرب إلى محاولة لاحتواء الضغط وتثبيت وقائع قائمة على تفوّق العدو والتسليم به، ومن هنا طُرحت علامات استفهام:
ما جدواها؟!
طالما أنّ العدو لم يعِرها آذاناً صاغية منذ طرحت، ولم يستجب لها إلا بعد استعصاء الميدان عليه، وليحوّلها سلاحاً جديداً في الداخل اللبناني، ليحقق من خلالها فتنة داخلية قد تنزلق الى فوضى وحرب أهلية لا قدّر الله فيما لو وظفت وكلّ ظروفها الموضوعية متوفرة.
وعلى هذا الأساس، يصبح ميزان القوى مع العدو غير قادر على إنتاج حسم نهائي، ما يجعل الصدام الشامل قائماً بلا حسم حتى الآن.
على المستوى الأوسع، فالمواجهة بين الولايات المتحدة الأميركية والجمهورية الإسلامية في إيران تتخلّلها ضربات متبادلة على قواعد ومصالح في المنطقة. إيران تعتمد على شبكة حلفاء وقدرة صاروخية وأوراق ضغط جغرافية تمتدّ إلى مضيق هرمز وباب المندب، ما يمنحها قدرة على التأثير في أمن الطاقة العالمي ورفع كلفة أيّ تصعيد. في المقابل، تحتفظ الولايات المتحدة بتفوّق عسكري وتقني واستخباري واسع يتيح لها إدارة الصراع عن بعد.
غير أنّ هذا التوازن ليس حاسماً. فإيران قادرة على الاستنزاف المتدرّج وتوسيع رقعة الاشتباك عبر ساحات متعددة، بينما تواجه الولايات المتحدة معضلة الانخراط في صراع طويل غير مضمون النتائج رغم تفوّقها النوعي. وهكذا تبقى المعادلة مفتوحة على إدارة الأزمة لا حسمها.
ما يضيف طبقة أعمق إلى هذا التحوّل هو دخول الذكاء الاصطناعي إلى ساحة الحرب، حيث لم يعد ميزان القوة يُقاس فقط بحجم الترسانة، بل بسرعة الرصد ودقّة الاستهداف وقدرة الأنظمة على اتخاذ القرار في الزمن الحقيقي. هذا التطور لم يُلغِ الردع، لكنه أعاد تشكيله، وقلّص من فعالية أدواته التقليدية، ورفع من هشاشة الاستقرار.
في هذا السياق، لا تبدو المنطقة خارجة من حرب، ولا داخلة في سلام. بل في مرحلة انتقالية يُعاد فيها رسم مفهوم القوة نفسه، بين من يملك القدرة على الاستنزاف، ومن يملك التفوّق التقني، ومن يحاول اللحاق بواقعٍ تغيّر أسرع من أدوات السياسة.
وهكذا يبقى المشهد معلّقاً:
لا هدنة تُنهي حرباً، ولا حرب تُحسم لصالح جهة على الأخرى، بل حالة مستمرة من اشتباكٍ مُدار ومستمر، فوق أرضٍ لم تعد تعرف أين يبدأ الاستقرار وأين ينتهي الانفجار…


